أحمد بن محمد ابن عربشاه

231

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وأما الآن فجلّ المقصود من لطفك المعهود ، وبذل المجهود وتذكر سابق العهود ، وقديم الصداقة وأكيد المحبة والعلاقة عطف الخواطر الملكية ، ورجوعها على ما كانت عليه من الصدقات السنية والعواطف الملوكية ، وأقل الأقسام ؛ الخلاص من هذه البلية ، وعلمك قد أحاط بأوثق مناط « 1 » أنى شخص وحيد بين ملازمى الخدمة فريد ، لم يكن لي أخ سواك وأنت مشتكاى وأنا مشتكاك ، وهذا أوان الفتوة وزمان المروّة ، وعدم التخلي عن الإخوان ، والانبعاث بالهمة الثابتة الأركان ، والسعي في خلاص الصاحب القديم من هذا البلاء العظيم ، وأسألك بسالف الخدمة والمودة ذات القدمة أن لا تذكر ما سلف من التقصير الموجب للتلف فإنّى معترف أنى للذنب مقترف وأنشد : جاوزت في اللوم حدا قد أضر به * من حيث قدرت أنّ اللوم ينفعه وإني إذا تفكرت وتصورت ما وقع إذا تذكرت ، وإن كان قد مضى يضيق بي الغضا « 2 » ، وأغرق في عرق الحيا وتسود في عيني الدنيا ، فكأنه في هذا القبيل عنى قيل : كأنّ فؤادي في مخالب طائر * إذا ما ذكرت الحبّ يشتد بي قبضا وهذا القدر من الإعلان يكفى ، وإني أستحلى إذا مر بخاطرى غصص حتفى ، ثم علا زفيره وشهيقه ، وبدا من لهيب قلبه بريقه ، ومن وادى دمعه عقيقه « 3 » ؛ حتى خيف عليه غريقه وحريقه ، ورق له عدوه وصديقه وبكى لبكائه رفيقه . قال أخو نهشل : اعلم أيها الأخ المفضل أنى لم أقل ذاك الكلام للعدوان

--> ( 1 ) المناط : اسم موضع التعليق . وبأوثق مناط أي إلى أبعد حد . ( 2 ) أي يضيق علىّ الظلام . ( 3 ) أي الدمع يسيل من العين .